محمد بن وليد الطرطوشي
268
سراج الملوك
وقال أبو بكر الدقاق « 1 » : ليس السخاء أن يعطي الواجد المعدم ، إنما السخاء أن يعطي المعدم الواجد . وقال الشيخ أبو عبد الرحمن « 2 » : كان الأستاذ أبو سهل الصعلوكي « 3 » من الأجواد ، لم يكن يناول أحدا شيئا بيده ، وإنما كان يطرحه على الأرض ، فيتناوله الآخذ من الأرض ، وكان يقول : الدنيا أقل خطرا من أن يرى من أجلها يدي فوق يد أخرى ، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اليد العليا خير من اليد السفلى » « 4 » وكان يتوضأ يوما في صحن داره ، فدخل عليه إنسان وسأله شيئا ، فلم يحضره شيء ، فقال : اصبر حتى أفرغ ، فلما فرغ قال : خذ القمقمة « 5 » وأخرج ، فلما خرج وعلم أنه بعد ، صاح وقال : دخل إنسان وأخذ القمقمة ، فمشوا خلفه فلم يدركوه ، وإنما فعل ذلك لأنهم كانوا يلومونه على البذل ، وفي معناه قال الشاعر : ملأت يدي من الدّنيا مرارا * فما طمع العواذل في اقتصادي ولا وجبت عليّ زكاة مال * وهل تجب الزّكاة على جواد وكان أبو مرثد أحد الكرام فمدحه بعض الشعراء ، فقال : ما عندي ما أعطيك . ولكن قدّمني إلى القاضي ، وادّع علي فيّ عشرة آلاف درهم ، حتى أقرّ لك بها ، ثم احبسني ، فإن أهلي لا يتركونني مسجونا ، ففعل ذلك ، فلم يمسوا حتى دفع إليه عشرة آلاف درهم . وقال زيد بن جرير : رأيت طلحة بن عبيد اللّه ، فرّق مائة ألف في مجلس ، وأنه ليخيط إزاره بيده . ولما دخل المنكدر « 6 » على عائشة - رضي اللّه عنها - قال لها : يا أم المؤمنين : أصابتني فاقة ، فقالت : ما عندي شيء ، فلو كانت عندي عشرة
--> ( 1 ) أبو بكر الدقاق : الإمام المحدث الحافظ ومقرئ المحدثين ببغداد ، كان محبوبا إلى الناس فاضلا ، حسن الذكر ، مات سنة 489 ه . ( 2 ) أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين الأزدي ، سبق ذكره . ( 3 ) أبو سهل محمد بن سليمان العجلي المعروف بالصعلوكى ، كان متصوفا وإماما في الفقه والحديث وعلوم اللغة . ( 4 ) الحديث : رواه الإمام أحمد في مسنده ، والطبراني في الكبير عن ابن عمر ، والحديث صحيح ( الجامع الصغير رقم 10027 ) . ( 5 ) قمقمه : إناء . ( 6 ) المنكدر بن عبد الله بن الهدير القرشي . ولد على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومن رواة الحديث ( انظر : الإصابة 6 / 226 ) .